|
الدورة الحادية عشرة في السويد تبقي على أصل الحكم بمنع
الاستنساخ البشري لعدم وجود دليل يبرر الاستثناء
* استكمالا لموضوع الاستنساخ الذي تمت مناقشته في الدورة
العاشرة للمجلس الاوروبي للافتاء والبحوث، طُرح ضمن اعمال الدورة
الحادية عشرة للمجلس التي عُقدت اخيرا في استوكهولم بالسويد،
برئاسة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وبحضور غالبية اعضاء المجلس،
موضوع الاستنساخ بين الزوجين. وقد قدم الباحثون من اعضاء المجلس
بحوثا علمية حول هذا الموضوع وصولا الى قرار فقهي يستند الى
الحقائق العملية لتبيان الحكم الشرعي حول هذه المسألة الخطيرة. ولم
يرَ المجلس حرجا في الاخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في
مجالي النبات والحيوان في حدود الضوابط المعتبرة.
والاستنساخ كما اشارت اليه التعريفات التي وردت في بعض هذه
البحوث هو احد تطبيقات الهندسة الوراثية التي هي واحدة من الخصائص
الكونية التي اودعها الله عز وجل في الاجناس المختلفة من مخلوقاته
التي منحها الحياة ذات الحس والحركة والارادة (الانسان والحيوان)
او ذات النمو (النبات). وقد ربط بها اسرارا وحكما يظهر منها كل يوم
الجديد والمثير مصداقا لقوله عز وجل «وفي انفسكم افلا تبصرون» وهنا
مما يزيد الايمان بعظمة الخالق «وهو الخلاق العليم» وقوله تعالى
«اعطى كل شيء خلقه ثم هدى» والكشوف التي حصلت او ستحصل ما هي الا
مما تعلقت به ارادة الله الكونية، فهو الذي اعطى الانسان العقل
والعلم والمقدرة فاستخدم القوانين والسنن التي اودعها في الكون
المسخر للانسان بسماواته واراضيه، والمسلم يعتقد انه لا يقع في ملك
الله تعالى الا ما يريد ولو كان على غير ما شرع لعباده.
* استعرض المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث خلال دورته
الحادية عشرة التي عقدت في العاصمة السويدية استوكهولم في الفترة
من 1 ـ 7 يوليو (تموز) الحالي، موضوع الاستنساخ من الزوجين، وذلك
من خلال البحوث العلمية المقدمة في هذا الخصوص. وكان المجلس قد
ناقش في دورته السابقة قضية الاستنساخ البشري، وبعد استعراض
الدراسات والابحاث المعدة حول الموضوع ومناقشتها، قرر المجلس تحريم
الاستنساخ البشري، ولكنه ارجأ مناقشة مسألة الاستنساخ من الزوجين
الى هذه الدورة بغرض استكمال الابحاث والمناقشات حولها.
1- وقدم الدكتور محمد الهواري عضو المجلس بحثا عن «الاستنساخ
البشري بين الثورة العملية والضوابط الاخلاقية والفقهية»، حيث
استعرض فيه جوانب مختلفة من قضية الاستنساخ، مشيرا الى الاستنساخ
البشري وامكانية حدوثه. واشار في بحثه الى نقطتين مهمتين: الاولى
ما هو حادث في مجال «علوم التكاثر البشري».
2- نجاح عملية طفل الانابيب وزرع البيضة الملقحة في رحم الام
البيولوجية (الرحم الظئر او المستعارة)، ولم يعد الحديث عن هذا
الموضوع مستغربا في الاوساط العامة.
3- عملية نقل الجنين من ام الى اخرى، وهي عملية شبيهة بطفل
الانابيب، الا ان التلقيح يتم داخل قناة رحم صاحبة البيضة، وبعد
ايام قليلة يجري غسيل الرحم للحصول على الجنين المتعدد الخلايا
الذي يزرع فيما بعد في رحم الام المستعارة والتي ستحمله حتى
الولادة.
4- فصل خلية من جنين متعدد الخلايا (16 خلية مثلا) وفحصها
للتأكد من خلوها من امراض وراثية معينة، ثم يزرع باقي الجنين في
رحم الام للنمو حتى تمام الحمل.
النقطة الثانية: ما هو حادث اخيرا في «علوم التكاثر
الحيواني»: ميلاد الشاة دوللي، وفصل البيضة الملقحة بعد اول انقسام
لها الى خليتين تنتج كل منهما حيوانا توأما مستقلا عن الثاني
(الاستئتام)، والبيضة الملقحة بعد (3 ـ 4) انقسامات تصبح جنينا
متعدد الخلايا (8 ـ 16 خلية)، ويجري فصل هذه الخلايا، ويزرع كل
منها على حدة ليتابع نموه الى جنين مستقل.
ويشير الباحث الى ان ما يحدث الآن في علوم التكاثر البشري
وعلوم التكاثر الحيواني يجعلنا نعتقد ان الاستنساخ البشري قابل
للتحقيق، وفي الغالب في وقت اقرب مما نتوقع. ومن المعلوم انه لم
يعلن حتى اليوم عن نتائج الابحاث والتجارب في مجال الاستنساخ
البشري بصورة مفصلة، لان مراكز الابحاث تحيط اعمالها بكثير من
السرية. ولقد رأينا ان النعجة دوللي ولدت حقيقة في شهر تموز
(يوليو) 1996، ولم يعلن عن ولادتها الا في شهر شباط 1997م. ولقد
ذكرت النشرات الاقتصادية ان الشركة PPL الانجليزية الممولة لابحاث
معهد روزلين ارتفعت قيمة اسهمها بمقدار 13% في بورصة لندن عشية
الاعلان عن هذا الحدث. وقال ان نجاح الاستنساخ في الثدييات العليا
كالخراف والقردة يظهر لنا انه ليس هناك ما يمنع ان تتم عملية
الاستنساخ البشري يوما ما، ان آجلا ام عاجلا، فالتقنيات العلمية
المتقدمة جدا اسهمت في القيام بتجارب وانجازات علمية، كانت في يوم
من الايام ضربا من الخيال. وعلى الرغم من حظر كثير من الدول من ان
تجرى التجارب على الاستنساخ البشري، الا انه تم الاعلان في شهر
يناير (كانون الثاني) 2002 عن مشروع خطير لاستنساخ اول جنين بشري
من خلال الابحاث التي يجريها مختبران سريان في بلدين مختلفين يشرف
عليهما الدكتور بانايوتيس زافوس، وهو طبيب من اصل قبرصي عمره 57
سنة ومتجنس بالجنسية الاميركية ومتخصص بأبحاث العقم ويعاونه اكثر
من 12 متخصصا في هذا المجال. وقال الدكتور زافوس: في الوقت الذي
نعلن فيه عن مشروعنا فاننا فعالون ونشيطون وسنقوم في وقت قريب، قد
لا يتعدى نهاية السنة الحالية، باستنساخ اول جنين بشري. ولدينا ما
يزيد عن عشرة ازواج وزوجات متطوعين لخدمة ابحاثنا، ويمتاز هؤلاء
المتطوعون بأنهم عقيمون لا يقدرون على الانجاب. وصرح بان فريقه
العلمي استطاع ان ينجح بنقل نواة من خلية بشرية الى بويضة حيوانية
ولكنه لم يتمكن بعد من نقل النواة البشرية الى بويضة بشرية، وهو
متفائل جدا في الوصول الى هذه الغاية.
ويخطط الفريق العلمي للحصول على اجنة من خلال نقل نواة من
خلية مأخوذة من احد الابوين ودمجها في بويضة منزوعة النواة ومأخوذة
من امرأة اخرى متطوعة. تترك البيضات اللقيحة لتنضج خلال (3 ـ 5)
ايام ثم تجمد في الثلاجة ليتم فحصها فيما بعد ومعرفة ما اذا كانت
تبدي عيوبا ارثية او كيميائية او فيزيولوجية. وبعد التأكد من خلو
اللقيحة من العيوب، توضع من جديد في رحم الام التي اخذت منها
الخلية البشرية، وسيكون الوليد الجديد مطابقا تماما لاحد الابوين.
لقد حذر كثير من خبراء الاستنساخ الحيواني من القيام بأية
محاولة لاستنساخ جنين بشري لاسباب اخلاقية ولضعف الامل لديهم في
نجاح تجربة الاستنساخ في الاطار البشري. وذلك على خلاف الدكتور
زافوس الذي يدعي بان لديه التجربة وجميع الاحتياطات اللازمة
لنجاحها.
لقد تقدمت كل من فرنسا والمانيا بمذكرة تحذيرية الى الامانة
العامة للامم المتحدة لتقوم المنظمة باعداد مشروع اتفاق دولي ضد
تجارب الاستنساخ البشري بغية الاخصاب والتوالد. ولكن جدول اعمال
المنظمة لم يكن يسمح بفتح ملف الموضوع قبل حلول عام 2003. واعتبرت
فرنسا والمانيا ان كل من يقوم بهذه التجارب هو خارج على القانون
مهما كان موطنه وجنسيته.
* الخلايا الأرومية
* عندما نأخذ خلية جسدية من انسان ما وننزع منها نواتها، ثم
نودعها في بويضة منزوعة النواة مسبقا، نحصل بذلك على لقيحة قابلة
للتكاثر لتعطي جنينا مشابها للانسان الذي اخذت منه النواة. تتطور
الخلية اللقيحة بالتكاثر لتصل الى جنين اولي يحوي (6) خلايا. من
المعلوم ان جسم الانسان يشتمل على ملايين الخلايا. ويتألف الجنين
الاولي من خلايا تدعى بالخلايا الارومية، وهي خلايا حيوية نشيطة
قادرة على التكاثر وانتاج الاعضاء المختلفة المكونة للكائن الحي.
وتهدف الدراسات الحديثة الى وضع طريقة تستفيد من الخلايا
الارومية لانتاج اعضاء معينة يمكن ان نستبدلها بأعضاء معيبة موجودة
في الكائن الحي. وبالفعل فقد توصل العلماء الى نتائج مبشرة من خلال
التجارب التي اجروها على فئران مريضة وتمكنوا من تعويض بعض الاعضاء
المعيبة فيها بأعضاء سليمة ناتجة عن الخلايا الارومية.
وبالمقابل فان التجارب التي اجريت على اربعين شخصا مريضا في
جامعة كولومبيا في نيويورك كانت نتائجها مأساوية وغير مشجعة في
الوقت الحاضر. ولكن كما هو معلوم فان السباق العلمي بين مؤسسات
البحث المختلفة والموازنات المالية الهائلة الموضوعة تحت تصرفها لا
تزال تبعث على الامل بالرغم من المخاطر التي تكتنفها من خلال
التجارب على العنصر البشري.
وتكمن اهمية الموضوع في ان الخلايا الارومية التي يعود اصلها
الى انسان مريض، قادرة على انتاج اعضاء مماثلة تماما لاعضاء الشخص
المريض ولها نفس التكوين الوراثي، وبذلك يمكن نقلها اليه بدلا من
الاعضاء المعيبة دون ان يكون هناك اي رفض مناعي للعضو المنقول.
* المشكلة الأخلاقية
* ينظر العلماء الى الجنين الاولي بانه لم يبلغ مرحلة
الانسان الكامل، ولكنه كائن حي يتمتع بفاعلية هائلة جدا. والمسألة
المطروحة: «هل يجوز لنا ان نحصل على اجنة اولية معدة لانتاج قطع
غيار بشرية فقط. فهناك كثير من الهيئات العلمية والمدنية والدينية
تعارض هذا الاسلوب في معالجة المرضى وترفض التجارب على الاجنة
البشرية.
والاخطر من ذلك ان نجاح التجارب في انتاج الاعضاء بالاستنساخ
العلاجي لا يمكن ان يقف حائلا دون المضي في الاستنساخ لاغراض انتاج
كائنات بشرية كاملة (الاستنساخ الانجابي). فالحصول على جنين اولي
يعتبر المرحلة الرئيسية في التكاثر بطريقة طفل الانابيب حيث يتم
نقل هذا الجنين الاولي الى الرحم ليتابع طريقه الى مرحلة الانسان
الكامل الذي سيكون صورة طبق الاصل عن احد ابويه.
ومن المعلوم ان مؤسسات البحث العلمي تحاول ان تتجنب الجانب
الاخلاقي للموضوع، بل انها تريد ان تدفع المؤسسات التشريعية
لاستصدار قوانين تساعدها على متابعة طريقها في الاستنساخ البشري.
وبهذا يمكنها ان تسيطر على السوق التجاري الهائل لمعالجة كثير من
الامراض المنتشرة في العالم كداء السكري والسرطان والايدز وداء
باركنسون والزهايمر والامراض الوراثية وغيرها، مما سينعكس ليس فقط
على المرضى والصحة العامة بل على الجنس البشري ومستقبله بشكل عام.
ولقد منعت فرنسا الى اليوم جميع تجارب الاستنساخ العلاجي
البشري استجابة لرأي اللجنة الوطنية للاخلاق الحيوية وللمجموعة
الاوروبية للاخلاق ايضا. ويقف بعض الباحثين في الجينات نفس الموقف
في المعارضة. وهناك اتجاه لان يصدر البرلمان الفرنسي تشريعات يسمح
بموجبها اجراء التجارب على الخلايا الارومية المحفوظة بالآلاف في
الثلاجات لاغراض علاجية فحسب دون ان يكون هناك اي اتجاه لانتاج
كائن بشري. وموقف المانيا مشابه للموقف الفرنسي. اما في اميركا فلم
تصدر اي تشريعات تمنع البحث في هذا المجال سوى انها لا يمكن ان
تمول من خزانة الدولة وعلى المؤسسات العلمية ان تؤمن حاجتها
المالية بطرقها الخاصة.
* الاستنساخ والفقه الإسلامي
* اشتد الجدل بين العلماء المسلمين حول الرأي الفقهي في
عملية الاستنساخ بصورة عامة والاستنساخ البشري بصورة خاصة. ونشرت
وسائل الاعلام كثيرا من الفتاوى الصادرة عن بعض العلماء، ولم يميز
عدد منها ما بين انواع الاستنساخ وتقنياته المختلفة، لذا كانت
الفتاوى متباينة ما بين التحريم القطعي وما بين الجواز بشروطه.
والآن عاد الموضوع يطرح نفسه بشكل حاد وعاجل، منذ ان تم
استنساخ جنين الانسان بطريق الاستئتام عام 1993، ثم في الاشهر
الاخيرة حين اعلن عن استنساخ النعجة التي سميت «دوللي» في اسكتلندا
في فبراير 1997 بعد تكتم عن الامر قرابة ثمانية اشهر، وتلا ذلك
الاعلان عن استنساخ قردين بطريقة اخرى في جامعة اوريغون. ولما كانت
التقانة التي استعملها العلماء للوصول لهذا الانجاز يفترض انها
وافية باجراء نفس التجربة على الانسان، فقد اكتسب الموضوع منحى
عاجلا اثار ردود فعل قوية.
ورغم انه لم يعلن عن ممارسته في الانسان بعد، الا ان الحاجة
الى استباقه بالتعرف على آثاره المتوقعة ووضع ضوابطه الشرعية
والقانونية والاخلاقية، حدت بكثير من الدول الغربية الى منع
التجارب البشرية او تجميدها سنوات حتى تتم الدراسات المطلوبة.
وقدم الدكتور عبد الستار ابوغدة عضو المجلس بحثا عن
«الاستنساخ من الزوجين والاحكام التي تترتب على ذلك» حيث استعرض
خلال هذا البحث مصدر الحكم الشرعي لمستجدات الهندسة الوراثية،
مشيرا الى ان القاعدة الشرعية المطبقة هنا، وفي جميع وجوه التعامل
في المستجدات من التصرفات والاشياء، هي المصلحة المرسلة، اي ما كان
فيه منفعة ولم يرد نص خاص بمشروعيته ولا بتحريمه ويندرج تحت عموم
النصوص المبيحة ونحوها. وقاعدة المصالح المرسلة دليل شرعي اساسي في
المستجدات، وهذه منها، وبقي البحث في الضوابط التي تحول دون وجود
ملابسات محرمة تجعل المفاسد غالبة على المصالح المبتغاة، ولا سيما
ان المفاسد التي تقع تؤدي الى الاخلال بمقاصد الشريعة في واحدة من
الضروريات الخمس وهو حفظ النسل.
وقال الباحث: نحن المسلمين حين نتكلم عن الحكم التكليفي طلبا
او نهيا لا يفوتنا ان ميادين الهندسة الوارثية خارج حوزتنا، وقد
يقتصر نصيبنا منها على المتابعة العلمية.. ومع هذا فالحكم الشرعي
يتناول تصرفنا تجاه ذلك.. فلا نقدم على ما حرم فعله ولا نقدم
للمخلين بالضوابط الشرعية اي معونة من دعم معنوي او مادي، ولا نتيح
لهم اتخاذ بيئتنا ساحة لتجاربهم او لممارساتهم بعد ان اصبح هذا
ميسورا في عصر العلمنة والهيمنة. والملحوظ ان اكثر هذه القضايا
المطروحة في ظروف المسلمين الحاضرة ليس في الوسع سد ذرائعها
بمعالجتها عن طريق الحكم التكليفي القاضي بالطلب والكف بل انها
تمثل امامهم من خلال الواقع بخيره وشره ولا بد حينئذ من بحث ما
يترتب على ذلك من آثار (وهو ما يسمى بالحكم الوضعي) بقطع النظر عن
كون الفعل حلالا او حراما، ولا يخفي انه لا تزال احكام الشريعة هي
المطبقة في هذه القضايا في العالم الاسلامي كله لانها من قطاع
الاحوال الشخصية.
وان التبعية للغرب الذي لا يقيم وزنا للحل والحرمة هي العائق
عن تناول هذه القضايا في بدايتها قبل ان تتفاقم للتعرف على الحلال
البين والترحيب به، والتنبيه الى الحرام البين واجتنابه، وتبقى بعض
المشتبهات التي تتقى ويحتاط في البعد عنها استبراء للدين والعرض
كما في الحديث المعروف.
* حكم الاستنساخ البشري
* اما الاستنساخ بالنسبة للانسان فان قضية النسب المعدودة
احدى الكليات الخمس الموصى بصيانتها هي احدى الضوابط الجوهرية التي
تعصم من اقتحام المخاطر غير المحصورة والعصية عن السيطرة. كما لا
تخفي خطورة النظر الى الانسان كأنه مما يتخذ للتكاثر فيه بما يشبه
التمول كأنه من السلع الخاضعة للتنمية، وكذلك خطورة المساس
بالعلاقة المتينة التي اوجدها الله في الزواج ليكون من آثاره حصول
الاولاد وانتسابهم.
فالاقدام على تطبيق الاستنساخ في الانسان لا ينفك عن الوقوع
في تجهيل الانساب وانقطاع التناسل الذي ناط الله به القرابة
بأنواعها وقد تناول الحظر صورا عديدة تؤدي لجهالة النسب او لادخال
التنازع فيه، فمما حرمه الله:
ـ نفي الانساب الثابتة سواء كان النفي من نفس المحمول عليه
النسب اذا كان لا يعلم قادحا في النسب، لكنه نفاه باطلا وزورا وهو
ما كان معروفا في الجاهلية باسم «الخلع» بفتح الخاء.
وكذلك اذا كان النفي من غيره وهو ما يستوجب عقوبة القذف من
الحدود الشرعية المنصوص عليها «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا
اولئك هم الفاسقون».
ـ تضييع العائل من هم في عياله ـ ففي الحديث الذي رواه مسلم
«كفى إثما ان تحبس عمن تملك قوته» وفي رواية لاحمد: «كفى المرء
اثما ان يضيع من يقوت».
الجدير بالاشارة اليه في شأن الاستنساخ البشري وجذوره في
التراث هو ان ابن النفيس في الرسالة الكاملية في السيرة النبوية
تعرض لامور تدخل فيما يسمى بعالم التنبؤ المستقبلي واشار في احد
فصول كتابه الى طريقة التولد الذاتي او التلقائي.. واذا كانت
اشارته هذه تندرج فيما يسمى بالخيال العلمي، الا انها تنبئ بانه
توقع احتمال التكاثر بدون اتصال جنسي، وهذا التوقع له اهميته حين
يصدر ممن جمع بين الطلب والفقه والفلسفة وعلوم اخرى كثيرة.
تحريم التبني، وهو اخراج النسب من الربط بالحقائق الشرعية
الى محض الادعاء والهوى «وما جعل ادعياءكم ابناءكم ذلكم قولكم
بأفواهكم».
ـ اختلاط الانساب: سواء حصل بالزنى «ولا تقربوا الزنى انه
كان فاحشة وساء سبيلا» او حصل بالزواج بمن لا تزال في عدة الغير
وفيه الحديث الذي رواه ابو داوود والترمذي ان النبي صلى الله عليه
وسلم قال: «لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسقي ماءه زرع
غيره» (اي اتيان الحبلى من غيره).
ـ كما تناول التحريم كل ما يؤدي الى قطع التناسل او اضعافه
او تغيير طرقه التي وقعت موقع الفطرة، كالاختصاء او الرهبانية او
شتى انواع الشذوذ عن التمتع الحلال.
اضف الى ذلك ما تقتضيه مراعاة مبادئ تكريم البشر الذين سخر
الله لهم الكون من ان يكونوا محلا للتصرفات المهينة. ومن هذا يظهر
بوضوح ان الاستنساخ في مجال الانسان هو من مواطن الحظر وان ما يبذل
في سبيل ذلك من جهود هي كذلك الا بالقدر الذي تتطلبه اغراض العلاج
والتداوي.
* موقف الأزهر والملتقيات العالمية من الاستنساخ البشري
* لقد اصدر الازهر بيانا حرم فيه الاستنساخ «ان استنساخ
البشر كفر صريح وتغيير لخلق الله» واصدر الفاتيكان بيانا استنكر
فيه هذه الممارسة «لقد اصبحت الحياة الانسانية العوبة في يد
العلم»، كما توصلت اللجنة الاتحادية التي شكلها الرئيس الاميركي
الى ضرورة منع الاستنساخ البشري، وهو نفس مفهوم البيانات الصادرة
عن اعضاء البرلمان البريطاني ومجلس العموم البريطاني وبيان الرئيس
الفرنسي.
وانطلاقا من مسؤولية المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية،
ودورها في نشر الثقافة الاسلامية وبحث المستجدات العلمية لتبيان
الرأي الاسلامي فيها، فقد دعت المنظمة الى مؤتمر دولي، عقد بالرباط
في يونيو (حزيران) 1997 بالتعاون مع منظمة العلوم والثقافة
الاسلامية ISESCO خصص لبحث الاستنساخ، وحضره نخبة من علماء الدين
والطب، واكدت توصياتهم تحريم الاستنساخ البشري، بينما طالبوا
بدراسة امكانيات تطبيق تقنيات الهندسة الوراثية، في المجالين
الحيواني والنباتي وفقا لضوابط شرعية واخلاقية محددة.
* توصيات المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية
* طرح موضوع الاستنساخ من قبل المنظمة الاسلامية للعلوم
الطبية في الندوة التاسعة التي عقدت في الدار البيضاء عام 1418هـ ـ
1997وقدمت بشأنه عدة ابحاث طبية وبيولوجية وشرعية وقانونية. انتهت
الندوة الى ما يلي:
تأسيسا على هذه الاعتبارات التي اجمع عليها الحاضرون، رأى
البعض تحريم الاستنساخ البشري جملة وتفصيلا، بينما رأى آخرون ابقاء
فرصة لاستثناءات حاضرة او مقبلة ان ثبتت لها فائدة واتسعت لها حدود
الشريعة.
ـ نص التوصيات:
اولا: تحريم كل الحالات التي يقحم فيها طرف ثالث على العلاقة
الزوجية، سواء اكان رحما ام بيضة ام حيوانا منويا ام خلية جديدة
للاستنساخ.
ثانيا: منع الاستنساخ البشري العادي، فان ظهرت مستقبلا حالات
استثنائية عرضت لبيان حكمها الشرعي من جهة الجواز او المنع.
* قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي
* قدمت الابحاث المعروضة في الندوة التاسعة للمنظمة
الاسلامية للعلوم الطبية في الدورة الثانية لمجلس مجمع الفقه
الاسلامي الدولي، مع ابحاث اخرى اضافية، ومناقشات مستفيضة وصدر عن
المجمع قرار متفق مع المنظمة في التوصية الاولى لندوتها، وهي:
ـ تحريم كل الحالات التي يقحم بها طرف ثالث على العلاقة
الزوجية.. الخ.
ـ تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين (اي في ديباجة
القرار) وبأي طريق اخرى تؤدي الى التكاثر البشري.
ويتبين من المقارنة بين توصية الندوة وقرار المجمع ان المجمع
اوصد الباب نهائيا امام الاستثناءات، اي حين ان الندوة تركت فرصة
للاستثناء، وهذه الفرصة التي ستتم معالجتها هي وقوع الاستنساخ
البشري بين الزوجين من البداية الى النهاية.
* الاشكالات المطروحة على الاستنساخ ولو بين الزوجين
* ان الابحاث ذات الطابع الشرعي التي عالجت موضوع الاستنساخ
لم تفرق بين ان يكون ضمن دائرة الزوجية او خارجها، لانها ركزت على
الحكم الوضعي (الآثار الشرعية الناتجة عن وقوع التصرف) سواء حكم
بمشروعيته او بعدمها.
وقد طرح الباحثون اشكالات مختلفة، على تفاوت في عددها بين
باحث وآخر، وهي في الواقع تشعيب او تفريع استخدم لتأكيد التحريم
الذي دار مناطه على امر اساسي وهو مجافاة الفطرة التي هي تكون
الانسان بالتلقيح بين رجل وامرأة، وفيما يلي بعض هذه الاشكالات،
للاستفادة منها في معالجة الآثار، فيما اذا كان الاستنساخ بين
الزوجين جائزا، وهو ما ترجح عندي، كما سيأتي والاشكالات التي طرحها
الشيخ محمد المختار السلامي هي:
هل تكون الانثى المستنسخة اختا او بنتا للمأخوذة منها
البويضة؟
ما علاقة النسخة بالزوج هل هي ربيبة او اخت له، او اخت
لزوجته مع ان زوجته هي التي ولدتها في حال قيام علاقة الزوجية.
هل يكون الذكر المستنسخ ابنا للزوجة او زوجا لها ـ مع زوجها
الحالي ـ وقد حملته في بطنها وولدته، او هو اخ لزوجها؟
وقد ختم الشيخ محمد المختار الاسلامي هذه الاشكالات بأن
الحكم هو عموم المنع تفاديا لاضطراب الآثار الناتجة عن هذا التصرف.
واشتملت بعض البحوث ـ بديلا عن طرح الاشكالات ـ تقريرا معجلا
للاحكام، لمجرد الخروج عن الوضع الطبيعي لوجود الانسان.
* قرار بشأن الاستنساخ من الزوجين
* تناول المجلس الاوروبي للافتاء والبحوث استكمالا لبحثه
لموضوع الاستنساخ في دورته السابقة مسألة الاستنساخ من الزوجين
التي اجل بحثها للدورة الحالية. وبعد استعراض الدراسات والابحاث
المعدة حول الموضوع ومناقشتها: يؤكد المجلس قراره السابق الذي يقضي
بتحريم الاستنساخ البشري، ولا يستثني من ذلك الاستنساخ من الزوجين،
وذلك بقاء على اصل الحكم بمنع الاستنساخ البشري ولعدم وجود دليل
يبرر الاستثناء، واذا ما استجد في الامر ما يدعو الى النظر فان
المجلس سيدرسه في حينه ويصدر فيه القرار المناسب
|